عبد العزيز عتيق
130
علم البيان
الآية بالعرجون القديم ، وذلك في هيئة نحوله واستدارته لا في مقداره ، فإن مقدار الهلال عظيم ولا نسبة للعرجون إليه ، لكنه في مرأى النظر كالعرجون هيئة لا مقدارا . وأما هذا الكاتب فإن تشبيهه ليس على هذا النسق ، لأنه شبّه صورة الحصن بأنملة في المقدار لا في الهيئة والشكل ، وهذا غير حسن ولا مناسب . ومن بلاغة التشبيه أن يثبت للمشبّه حكم من أحكام المشبّه به ، فإذا لم يكن بهذه الصفة أو كان بين المشبه به بعد فإن ذلك مما يعيب التشبيه ويضع من قيمته البلاغية . ومن أمثلة ذلك قول أبي تمام : لا تسقني ماء الملام فإنني * صبّ قد استعذبت ماء بكائي فالشاعر جعل للملام ماء ، وذلك تشبيه بعيد ، وسبب بعده أن الماء مستلذ والملام مستكره فحصل بينهما المخالفة والبعد من هذه الجهة . ومنه قول المرّار : وخال على خديك يبدو كأنّه * سنا البدر في دعجاء باد دجونها « 1 » فالمتعارف عليه أنّ الخدود بيض والخال أسود ، ولكنّ الشاعر رغم ذلك يشبه الخال بضوء البدر والخدين بالليلة المظلمة . فالتشبيه هنا ليس بعيدا فحسب ، بل هو مناقض للعادة ، ومن أجل ذلك فهو تشبيه رديء . ومن بعيد التشبيه أيضا قول الفرزدق :
--> ( 1 ) الدعجاء : السوداء ، وهي هنا صفة لموصوف محذوف ، والتقدير : ليلة دعجاء ، ودجونها : سوادها .